سارة السهيل: تكريمي في مصر زيادة وعي بدور المرأة العربية
- فخورة بالمرأة العراقية التى تحملت واجب الحفاظ على الوطن
- اهتمامي بالأطفال فطرة لم أتدخل في تحديدها
- اغتيال والدي جعلني أكثر شعوراً بقضايا الأطفال
- والدي شهيد المبدأ وهذا ساهم في تعزيز مبادئي
- اعتمد في كتاباتي علي البحث الميداني وهدفي تعليم أطفال الشوارع
أكدت الأديبة العراقية سارة السهيل علي أهمية دور المرأة في المجتمع العربي مستشهدة بالمرأة العراقية التي تحملت أعباء الأسرة لمدة ثلاثين عام منذ حرب إيران وحتي الآن وإصرارها علي حمل السلاح أسوة بالرجل لحماية الوطن، سارة السهيل قال عنها الأديب الشاروني طفلة تكتب للأطفال حيث بدأت موهبتها في التبلور وهي في السابعة ولها العديد من المؤلفات مثل ليلة الميلاد وأميرة البحيرة وسلمي والفئران الأربعة وغيرها مما جعلها تتربع علي عرش روايات الأطفال وتلفت نظر النقاد الذين أشادوا بامتلاكها لكافة أدوات هذا النوع من الكتابة.
التقت جريدة "إضاءة" الأديبة العراقية سارة السهيل ابنة أعرق قبائل العراق "بني تميم" وابنة المناضل الشهيد طالب السهيل للتعرف علي تطور دور المرأة العربية في المجتمع وأسباب اهتمامها بقضايا الأطفال وكان لنا معها هذا اللقاء..
كتبتي الشعر والحكايات للأطفال وخاصة الأيتام منهم،هل يرجع ذلك لفقدك لوالدك في سن مبكر ؟
* بدأت بالشعر قبل القص وكنت في السابعة من عمري وكانت أشعار بدائية تفتقد لمقومات الشعر بمعناه العلمي وخاصة لجهة اللغة والمعنى، فقد كانت كلمات موزونة بدرجه ما عن مشاعري الخاصة تجاه الوطن وجزء منها يكشف طموحي كطفلة ،بعد ذلك بدأت في رواية الحكايات للأطفال من الأقارب والجيران وكانت من وحي خيالي ووجدت اهتمام كبير بحكاياتي حتى أن الأطفال كانوا يحرصون على المجيء في اليوم الثاني لاستكمالها ، بدأت أشعر حينذاك بضرورة تدوين الحكايات حتي لا أنساها ويمكن اعتبار تلك الحكايات البداية الأولى لإبداعي القصصي .
أما عن سؤالك حول طفولتي ومأساة اغتيال والدي الشيخ طالب السهيل فيمكن القول بأن تلك المأساة كان لها عظيم الأثر في حياتي على الصعيدين الإنساني والإبداعي.
اغتيال والدي وأنا في مرحلة الطفولة اكسبني شعور اليتم وهو شعور مؤلم بدرجة لا يمكن وصفه وخاصة عندما تكونين ابنة لأب بقيمة وقامة وحنان ودفء وإنسانية وصلابة وسمو الشيخ طالب السهيل وخاصة أنه اغتيل غدرا لتمسكه بحق الشعب العراقي بحياة سعيدة في وطن ينعم بالحرية والديمقراطية.
تلك الصدمة الأولى في حياتي جعلتني أكثر تمسكا بالقيم النبيلة التي غرسها الوالد في وجداني ، ما جعلني أظل دوما منحازة لقيم العدل والعدالة وامقت الظلم بكل أشكاله.
إن جريمة اغتيال والدي بكل تفاصيلها لم تزل محفورة في ذاكرتي رغم مرور السنين ولكنها أبداً لم تكسبني حقدا بل زادتني تمسكا بالقيم النبيلة التي استشهد دفاعا عنها وعمقت في داخلي الانحياز للمظلومين والسعي بكل جهدي لرفع الظلم عن كاهلهم .
- واقعة اغتيال والدك إلى أي حد أثرت على تمسكك بالمبادئ؟
* أصبحت أكثر تمسكا بالمبادئ والقيم النبيلة ولكن طورت من وسائل الدفاع عن تلك القيم فلم تعد بالنسبة لي نضالا سياسيا بل حولتها إلى قيم منشورة داخل إبداعاتي أغرسها في فكر وعقل الطفل العربي سعيا لخلق جيل يؤمن بقيم العدل والعدالة.
- هل يمكن الوقوف على المردود الذي تحقق لك من الكتابة للطفل ؟
* بكل رضا يمكنني القول أن مردودا كبيرا قد تحقق أوله المردود الروحي فكلما كتبت قصة أو قصيدة للطفل أصبح أكثر صفاءً نفسيا وسموا روحيا، أيضا لا يمكن إغفال التحقق الذي يتزايد كلما اتسع انتشار وزادت كميات الطبع ، وفي هذا دعيني اذكر أن آخر قصصي “ أميرة البحيرة “ نفذت طبعتان وهاهي الطبعة الثالثة على وشك النفاذ تحقق ذلك في عامين فقط وهذا يمثل إنجازا غير مسبوق في مجال كتاب الطفل في تلك المرحلة التي تشهد تراجعا كبيرا في الإقبال على القراءة.
أذكر أن رئيس لجنة التحكيم في أحد المسابقات في الأردن ذكر أن سارة السهيل تمتلك كل أدوات الكتابة للطفل ومنذ زمن لم يقابل هذا النوع فكل ٢٠قصة يطلع عليها يخرج بواحدة كمجاملة فقط .
أيضا اذكر بكل فرح واعتزاز كيف أن الكاتب الرائد في مجال الطفل عبد التواب يوسف قال في أحد ندواته في معرض القاهرة للكتاب: “ سارة السهيل طفلة تكتب للأطفال “ وأيده في ذلك الكتاب الكبار عبد التواب يوسف واحمد زرزور، حدث ذلك بينما كنت في حينها في سن مبكرة ما كان له الأثر البالغ في نفسي و أعطاني المزيد من الأمل والتفاؤل للمستقبل.
- لماذا انتقلتي لكتابة المقال ؟
ذهبت إلي بريطانيا لاستكمال دراستي الجامعية وكنت أملك حينها حماسا ورغبة في الحضور في المشهد الثقافي والإعلامي فشرعت في إرسال مقالاتي للصحف العربية التي تصدر من لندن آنذاك كالحياة اللندنية والشرق الأوسط والقدس العربي وكانت المفاجأة أن مقالاتي كانت تنشر باهتمام اعتقادا أني كاتبة ناضجة ومعروفة، وكانت المفاجأة المدهشة لصحفي يعمل في أحد تلك الصحف عندما علم من أحد أقاربي أني مازلت في السنة الأولى من المرحلة الجامعية، واستمرت مقالاتي في الصحف العربية الصادرة من لندن حتى انتهيت من دراستي هناك وانتقلت إلى القاهرة فبدأت أنشر مقالاتي في جريدة الجمهورية المصرية لمدة عام ونهضة مصر ثم كتابة مقال الصفحة الأخيرة لمجلة "الوطن العربي"لمدة ٧سنوات.
- درستي إدارة الأعمال في بريطانيا ثم الإعلام في القاهرة ،ماذا أضاف إليك تعدد مجالات الدراسة ؟
* درست إدارة أعمال في بريطانيا بهدف التمكن من إدارة أعمالي ومشاريعي الخاصة بشكل علمي، وفي القاهرة اتجهت لدراسة الإعلام لصقل تجربتي الإعلامية علميا وبعدها درست الماجستير في علم النفس لتطوير وتعميق أدواتي في الكتابة للطفل وخاصة لجهة دراسة سلوكياتهم والسعي من خلال الكتابة الإبداعية لتغيير المفاهيم والسلوكيات الخاطئة وتعظيم القيم والسلوكيات الايجابية .
- ما هي أبرز القضايا التي استوقفتك في مجال الأطفال ؟
* التسرب من التعليم وأطفال الشوارع وأتابع هذه القضية من خلال الأبحاث الميدانية في كل من مصر والأردن والعراق ولبنان من أجل التوصل إلى حل لتلك الأزمة الخطيرة والمؤلمة وأقوم بالعمل على حل وقائع فرديه لمتسربين وكانت آخر حالة لبنت صغيرة اسمها رحمة تعيش مع أسرتها في قارب في نيل القاهرة وبعد حوارات مع أسرتها اقتنعت بضرورة عودتها للدراسة وحاليا أسعى لإعادة إلحاقها بإحدى مدارس القاهرة.
على أجهزة الدولة والمنظمات الأهلية الوطنية أن تبذل جهودا كبيرة لاستيعاب “أطفال الشوارع“ وتحويلهم لطاقات ايجابية تسهم في تنمية المجتمع ولا تتركهم نهبا لجهات مشبوهة يمكن أن توظفهم في أغراض سلبية تضر بمجتمعاتنا.
أنا حاليا ادرس فكرة تأسيس مؤسسة أهلية تستوعب بعضا من هؤلاء الأطفال بغرض تحويلهم لطاقات ايجابية مفيدة لمجتمعاتهم .
- إبداعاتك ومقالاتك تنشر في الأردن ومصر ولبنان والعراق، أي هذه البلدان حقق لك انتشار أوسع ؟
*مصر بحكم مكانتها تمثل الحلم لأي مبدع عربي ، وكما عهدناها عبر التاريخ فقد احتضنتي مؤسساتها الثقافية والإبداعية والإعلامية فكانت لها الفضل الأكبر في انتشار كتاباتي وحضوري الثقافي والإعلامي عبر الوسائط الإعلامية والصحفية وكذلك المنتديات الثقافية وكان ذلك منذ الأيام الأولى لمقدمي إلى القاهرة وجدت حفاوة وتشجيعا أسهم بشكل كبير في تحقيق حضور واسع وتطوير أدواتي الإبداعية عبر التواصل مع كبار مبدعي مصر.
وكنت محظوظة حيث كانت أولى تجاربي في النشر من خلال مؤسسة الأهرام المصرية العريقة التي شرفتني بنشر قصة "سلمي والفئران الأربعة " ، بينما تم نشر أول ديوان شعر في لبنان "دموع علي أعتاب بغداد".
إن مصر لها مكانة خاصة في قلبي حيث لم أشعر فيها بأي نوع من التمييز السلبي على أساس العرق أو الجنس أو النوع بل كانت المؤسسات الثقافية والنقاد والمثقفين الجميع يتعامل بتجرد ويصب جل اهتمامهم على إبداعي.
ـ توزعت حياتك في أكثر من مدينة عربية وأجنبية هل كان لذلك مردود على شخصيتك وإبداعاتك؟
* ساعدني ذلك في التعرف على ثقافات متعددة والتحرر من قيود المجتمع وهذا يعطي حرية للاختيار ولم أصبح أسيرة لثقافة بعينها.
- والدك كان شخصية سياسية مرموقة وتم اغتياله بطريقة وحشية ـ هل تسببت تلك الجريمة في ابتعادك عن السياسة ؟
* ربما يكون لهذا الحادث مردود في اختياراتي، ولقد جرت محاولات عدة لتوريطي في النشاط السياسي وقد واجهت تلك المحاولات برفض حاسم، لأسباب عدة من بينها أني نذرت نفسي للأدب والإبداع ولا أريد لأي نشاط أن يعرقل هذا الأمر، بالإضافة إلى أن الممارسة السياسية تستوجب مواصفات شخصية ومنظومة أخلاقية اعتقد أني افتقدها، أيضا ممارس العمل السياسي يواجه عداءات وحروب شتي تستنفذ طاقته.
كيف تنظرين للمرأة العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص؟
أنا فخورة بالمرأة العراقية حيث أنها ومنذ ما يزيد عن ثلاثة عقود تحمل أعباءاً هائلة حتى أنها كانت العائل والأم والأب إبان الحروب المتتالية التي خاضتها العراق من الحرب مع إيران إلى حرب الخليج الأولى والثانية بالإضافة للحصار والذي أعقبه الاحتلال ، خلال هذه الظروف الصعبة التي غاب فيها الرجل أو غيب كانت المرأة العراقية تقوم بالمهام مجتمعة في صبر وجلادة دون كلل .
إن المرأة العراقية تستحق التكريم والتقدير لهذا الدور الذي أسهم بالحفاظ على المجتمع العراقي في فترة من أصعب واعقد الفترات التي مرت على العراق.
ـ في هذا الإطار كيف ترين تكريمك من صندوق "تحيا مصر" وجمعية الأديبات العرب ؟
* أنا سعيدة للغاية لتكريمي من صندوق "تحيا مصر" رغم أنه سبق و كرمت كثيرا في عدة دول ولكن هذه المرة كوني امرأة وليس أديبة أو كاتبه وهذا يعني أن المجتمع العربي بدأ يدرك قيمة المرأة ودورها.
ولا يمكن أن نغفل النماذج المضيئة من النساء العراقيات التي تستحق التقدير مثل أم قُصي من تكريت التي استضافت عدد من الجنود العراقيين العزل من السلاح وأخفتهم عن عناصر داعش الإرهابية لحين أرجعتهم لأهلهم ويلقبوها "طوعة العصر”، أيضا نذكر أمية ناجي الجبارة مستشارة محافظ صلاح الدين التي تمكنت من قتل ثلاثة من مسلحي داعش وهم يهاجمون مدينتها العلم، شمال شرق تكريت، قبل أن ترديها طلقة قناص من داعش.
أيضا لا يمكننا إغفال بيريفان ساسون التي استشهدت أثناء القتال ببسالة دفاعاً عن القرى الكردية التي بات تنظيم داعش على مشارفها ثم أثرت أن تقتل نفسها و لا يتسلمها داعش، هؤلاء نماذج من العراقيات اللواتي سيخلدهن التاريخ ويبقين محل فخر واعتزاز للعرب.
